02 October 2026
الحومة تيفي
الرئيسية من نحن تغطيات خاصة ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ الشأن العام مجتمع اقتصاد مقالات الرأي ويب تيفي
مقال رأي 17 August 2026

من سبتة إلى الداخلة: تأملات في الهجرة والعنصرية بين ضفتي المتوسط

خالد المساري

فاعل مدني وحقوقي

قبل جائحة كورونا، هل تتذكرون كيف كانت الحياة على الحدود الشمالية للمغرب؟

كان سكان تطوان والمضيق والفنيدق يدخلون إلى سبتة دون الحاجة إلى تأشيرة، تماما كما كان سكان الناظور يدخلون إلى مليلية. كان العبور جزءا من الحياة اليومية: للعمل، والتجارة الصغيرة، والتسوق، وقضاء بعض الوقت، أو حتى لمجرد التجول وتناول مشروب في أحد المقاهي دون أن يشعر المرء بأنه موضع مراقبة أو حكم.
من حين لآخر، كانت محاولات تجاوز السياج الحدودي تحدث، وكان أغلب المشاركين فيها مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ومن السودان والجزائر، بل ومن جنسيات أخرى. أما المغاربة، فكان حضورهم في هذه المحاولات محدوداً جداً مقارنة بما نراه اليوم.

لكن اليوم تغير الكثير.
أصبح العبور إلى سبتة ومليلية مرتبطا، بالنسبة لمعظم المغاربة، بالحصول على تأشيرة شنغن، فيما أعادت التطورات القانونية والقضائية الإسبانية، خصوصا في ما يتعلق بالقاصرين غير المصحوبين، تشكيل جزء من النقاش حول الهجرة والحدود، لكن بعيدا عن التفاصيل القانونية والسياسية، هناك شيء آخر تغير: طريقة رؤية الهجرة نفسها.

قبل سنوات، كان آلاف الشباب المغاربة يخوضون محاولات للهجرة غير النظامية، أحيانا بطرق لا تثير القدر نفسه من الاهتمام الإعلامي والسياسي الذي نراه اليوم. كانوا يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى بحثا عن فرصة، أو عن عمل، أو عن حياة يعتقدون أنها أفضل، واليوم، وأنا أكتب هذه السطور، أسافر مع عائلتي بالسيارة نحو الداخلة، لاكتشاف جزء عزيز جدا عليّ من المغرب.

وخلال الطريق، وعلى مسافة لا تتجاوز مئة كيلومتر تقريبا، رأيت عشرات المهاجرين يسيرون شمالا في مجموعات صغيرة، يتراوح عدد أفراد بعضها بين ثلاثة وعشرين شخصا، أغلبهم شباب، وبينهم قاصرون، تتراوح أعمار الكثير منهم تقريبا بين 14 و30 سنة، ورأيت آخرين في الدار البيضاء والعيون والصويرة والداخلة، في المقاهي والساحات والفضاءات العامة، فضلاً عن وجودهم اليومي في طنجة ومدن أخرى.

وهنا طرحت على نفسي سؤالا بسيطا: لماذا لا نسمع في المغرب، بالحدة نفسها، خطابا سياسيا وإعلاميا يتحدث عن "غزو المهاجرين" أو يصورهم باعتبارهم تهديدا للبلد أو سببا في سرقة فرص العمل؟
هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن المغرب خال من العنصرية أو من خطاب الكراهية، سيكون ذلك غير صحيح، توجد مظاهر عنصرية وتمييز، كما توجد توترات اجتماعية ومواقف سلبية تجاه المهاجرين، ولا ينبغي إنكارها أو التقليل من خطورتها.

وكأن مجتمعات كاملة يمكن اختزال أزماتها البنيوية في وجود أشخاص وصلوا إليها بحثا عن فرصة للحياة.

المفارقة أن المهاجر نفسه قد يتحول، في الخطاب السياسي، من إنسان له قصة وظروف ودوافع، إلى مجرد رقم، أو تهديد، أو "مشكلة" ينبغي التخلص منها، والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الخطاب لا يظل دائماً على هامش السياسة، بل يمكن أن يصبح أداة انتخابية فعالة، خصوصاً عندما تتحول المخاوف الاجتماعية الحقيقية إلى وقود للخوف من الآخر.

لكن المقارنة بين المغرب وأوروبا ليست دعوة إلى تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر، هي فقط محاولة للتفكير في سؤال أكبر: كيف تتحول الهجرة من ظاهرة إنسانية واجتماعية معقدة إلى أداة لصناعة الخوف والكراهية؟

ربما تكمن المشكلة في اللحظة التي نتوقف فيها عن رؤية المهاجر كإنسان، ونبدأ في رؤيته فقط باعتباره "مهاجرا"، هذه ليست دراسة أكاديمية، ولا محاولة لتقديم إجابات نهائية، ولا تبريراً لأي سياسة تجاه الهجرة.

إنها مجرد تأملات شخصية، كتبتها وأنا أعبر المغرب من الشمال نحو الجنوب، وأرى على الطريق أشخاصا يسيرون في الاتجاه المعاكس بحثا عن مكان آخر، وربما السؤال الأهم ليس: لماذا يهاجرون؟ بل: ما الذي يجعل الإنسان مستعدا لأن يترك بلده، ويمشي مئات الكيلومترات، ويخاطر بكل شيء، فقط لأنه يعتقد أن الحياة في مكان آخر قد تكون أفضل؟

مشاركة المادة: