02 October 2026
الحومة تيفي
الرئيسية من نحن تغطيات خاصة ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ الشأن العام مجتمع اقتصاد مقالات الرأي ويب تيفي
مقال صحفي 17 August 2026

المشاركة المواطنة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة: بين الحق في المشاركة وواقع الممارسة

الحومة TV

لم تعد المشاركة المواطنة في المغرب مجرد خيار سياسي، بل أصبحت منذ دستور 2011 أحد مرتكزات تدبير الشأن العام، فقد أقر الدستور حق المواطنات والمواطنين والجمعيات في المساهمة في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها، ونص على إحداث آليات للحوار والتشاور على مستوى الجماعات الترابية

وتكتسي هذه المشاركة أهمية خاصة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، باعتبارها جهة تتميز بتنوعها المجالي والديمغرافي والاقتصادي، وبوجود مجتمع مدني نشيط وتحديات اجتماعية ومجالية متعددة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: هل توجد آليات للمشاركة؟ وإنما: هل أصبح المواطن فعلا شريكا في صناعة القرار الترابي؟

من الحق القانوني إلى الممارسة

وفر الإطار القانوني المغربي مجموعة من الآليات للمشاركة، من بينها الهيئات الاستشارية، وآليات الحوار والتشاور، والعرائض، ومشاركة الجمعيات في إعداد وتتبع وتقييم برامج التنمية، كما ألزم القانون التنظيمي المتعلق بالجهات بإحداث آليات تشاركية تتيح للمواطنين والجمعيات المساهمة في إعداد برنامج التنمية وتتبع تنفيذه.

وعلى هذا المستوى، قطعت جهة طنجة–تطوان–الحسيمة أشواطا مهمة، فقد انخرط مجلس الجهة في مبادرة الحكومة المنفتحة، وأدرج ضمن خطة العمل الجهوية 2024–2026 التزاما خاصا بتعزيز المشاركة المواطنة، إلى جانب إجراءات تستهدف تقوية الهيئات الاستشارية وإشراك الشباب والأطفال في النقاش العمومي، وهذه التطورات تعكس انتقال المشاركة من مجرد مبدأ دستوري إلى ممارسة تسعى المؤسسات إلى مأسستها، غير أن وجود الآليات لا يعني بالضرورة فعاليتها!

أين تكمن المشكلة؟

تواجه المشاركة المواطنة بالجهة مجموعة من التحديات، أولها ضعف المعرفة بالآليات المتاحة، فكثير من المواطنين لا يعرفون كيف يمكنهم تقديم عريضة أو المشاركة في التشاور حول البرامج والسياسات العمومية.

وثانيها ضعف الوصول إلى المعلومة، فلا يمكن للمواطن أن يشارك بشكل فعلي في قرار لا يتوفر على المعلومات الضرورية لفهمه ومناقشته وتتبع نتائجه، أما التحدي الثالث فيرتبط بـالعدالة المجالية، فالجهة لا تتكون من طنجة وتطوان فقط، وإنما تضم أقاليم ومجالات حضرية وقروية وجبلية متباينة، وبالتالي فإن تركيز آليات المشاركة في المراكز الحضرية قد يجعل بعض المواطنين أكثر قدرة على المشاركة من غيرهم.

كما يطرح موقع الشباب إشكالا خاصا، فالشباب حاضر بقوة في الفضاء الرقمي وفي النقاشات الاجتماعية، لكنه لا يشارك دائما بنفس القوة في الآليات المؤسساتية التقليدية، لذلك فإن تطوير المشاركة يقتضي التفكير في أدوات جديدة تستوعب طرق التعبير والتفاعل التي يفضلها الشباب.

المشاركة لا تعني مجرد الاستشارة

المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب المشاركة، وإنما في السؤال المتعلق بأثرها على القرار العمومي، فقد تنظم مؤسسة منتخبة لقاء تشاوريا، وتستمع إلى المواطنين والجمعيات، لكن المشاركة تظل محدودة إذا لم يعرف المشاركون ماذا حدث لمقترحاتهم بعد ذلك.

وبالتالي، فإن معيار نجاح المشاركة لا ينبغي أن يكون عدد اللقاءات أو عدد المشاركين فقط، وإنما مدى تحول المقترحات المواطنية إلى برامج أو مشاريع أو تعديلات في السياسات العمومية، وهنا تبرز أهمية مبادئ الحكومة المنفتحة والشفافية والولوج إلى المعلومة والرقمنة، لأنها تمكن المواطن من الانتقال من مجرد المشاركة في النقاش إلى تتبع القرار العمومي ومساءلة المؤسسات حول نتائجه.

نحو مشاركة أكثر تأثيرا

تحتاج جهة طنجة–تطوان–الحسيمة في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من مأسسة المشاركة إلى تجويدها، ويقتضي ذلك تبسيط المعلومة، وتقوية قدرات الجمعيات والمواطنين، وتوسيع المشاركة خارج المراكز الحضرية، وإشراك الشباب والنساء والفئات الأقل تمثيلاً، وتطوير أدوات رقمية للتشاور والتتبع، والأهم من ذلك إخبار المواطنين بمآل مقترحاتهم، كما أن المجتمع المدني مطالب بدوره بالانتقال من المشاركة المناسباتية إلى مشاركة أكثر تخصصاً واستمرارية، تقوم على البحث والتحليل والترافع وتتبع السياسات العمومية.

وفي الختام يمكن القول إن جهة طنجة–تطوان–الحسيمة راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في مجال المشاركة المواطنة، سواء من خلال الهيئات الاستشارية أو آليات الحوار والتشاور أو الانخراط في الحكومة المنفتحة، لكن التحدي الحقيقي لم يعد هو إحداث آليات جديدة أو تجديد الآليات والهيئات بشكل دوري، وإنما جعل الآليات الموجودة أكثر قدرة على التأثير، فالديمقراطية التشاركية لا تتحقق بمجرد أن تستمع المؤسسات إلى المواطنين، وإنما عندما يصبح المواطن قادرا على معرفة المعلومات، وتقديم المقترحات، وتتبع القرارات، وتقييم السياسات العمومية، ورؤية أثر مشاركته على أرض الواقع.

وبذلك، فإن مستقبل المشاركة المواطنة بالجهة يرتبط بالانتقال من سؤال "هل شارك المواطن؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "هل أحدثت مشاركة المواطن فرقا في القرار العمومي؟"

مشاركة المادة: