02 October 2026
الحومة تيفي
الرئيسية من نحن تغطيات خاصة ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ الشأن العام مجتمع اقتصاد مقالات الرأي ويب تيفي
مقال رأي 17 August 2026

ثقافة الهجرة... حين تتحول الهجرة من قرار اقتصادي إلى ثقافة اجتماعية!

اسماعيل القرهبي

باحث في القانون العام، فاعل مدني

منذ سنوات، اعتدنا تفسير الهجرة غير النظامية انطلاقا من محددات اقتصادية واجتماعية معروفة؛ كالبطالة، والفقر، والهشاشة، وضعف فرص الشغل، والتفاوتات المجالية...، وهي ما يعرف في أدبيات الهجرة بـ"عوامل الدفع"، في مقابل "عوامل الجذب" المرتبطة بما يُتَصوَّر أنه فرص أفضل للعيش والعمل والكرامة في الضفة الأخرى، وهي عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها أو التقليل من أثرها، لكن مشاهد الآلاف من الشباب، بل وحتى الأطفال والنساء وأسر بأكملها، وهم يتوجهون بشكل جماعي نحو نقاط العبور، وهنا أتحدث عن سبتة ومليلية تحديدا، في لحظات معينة، تجعلني أعتقد أن هذه التفسيرات، رغم أهميتها، لم تعد وحدها كافية لفهم ما يحدث.
 
ما نعيشه اليوم يتجاوز، في تقديري، منطق "الهجرة بسبب الحاجة"، ليدخل في ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الهجرة"، أي أن الهجرة لم تعد مجرد قرار اقتصادي أو خيار فردي، بل أصبحت ثقافة اجتماعية تتشكل داخل الوعي الجماعي، وتنتقل بين الأجيال، وتعيد صياغة معنى النجاح والمستقبل في مخيلة الشباب، فقد أصبح كثير من الأطفال يكبرون وهم يسمعون قصص النجاح المرتبطة بالهجرة، ويشاهدون في محيطهم الاجتماعي أن من غادر هو من استطاع بناء منزل وفيلا، أو شراء سيارة، أو تحسين وضع أسرته، بينما أصبح البقاء، في نظر البعض، مرادفا للتعثر أو الانتظار من أجل أحلام مؤجلة. ومع مرور الوقت، تتحول الهجرة من مجرد احتمال إلى أفق طبيعي للحياة، ومن حلم فردي إلى توقع اجتماعي يكاد يكون بديهيا، وهنا تتحول "عوامل الجذب" من وقائع موضوعية إلى تمثلات ثقافية ورمزية، قد تكون في كثير من الأحيان أقوى من الواقع نفسه.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الثقافة قوة غير مسبوقة، فكل يوم تُضخ آلاف الصور ومقاطع الفيديو والقصص "الستوريات" التي تعرض حياة تبدو مثالية في الضفة الأخرى، بينما تغيب عنها مشاهد العمل الشاق، والعنصرية، والعزلة، وصعوبات الاندماج، والخوف اليومي الذي يعيشه كثير من المهاجرين غير النظاميين، والأسوأ من ذلك أن منصات التواصل أصبحت أيضا فضاء خصبا للإشاعات والمعلومات المضللة التي توهم الشباب بقرب فتح الحدود، أو سهولة العبور، أو وجود فرص استثنائية، فتتحول الأخبار الزائفة إلى محرك لموجات هجرة جماعية، كما شهدنا في أكثر من مناسبة.

ومن خلال تجربتي في مجال التربية على الإعلام والمعلومة، وتأطير ورشات التفكير النقدي مع الشباب والشابات، أدركت أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود المعلومات المضللة، بل في غياب الأدوات التي تمكن الأفراد من التحقق منها وتحليلها ومساءلتها، فكلما ضعفت مهارات التفكير النقدي، أصبح الشباب أكثر قابلية لتصديق السرديات الزائفة، وأكثر استعدادا لاتخاذ قرارات مصيرية بناء على فيديو قصير، أو منشور مجهول المصدر، أو إشاعة تنتشر بسرعة البرق عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، لذلك فإن كثيرا من موجات الهجرة الجماعية لا تبدأ من الواقع، بل تبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا لا يصبح قرار الهجرة مبنيا فقط على حسابات وعوامل اقتصادية عقلانية، بل أيضا على ضغط اجتماعي ورمزي ونفسي، وعلى شعور متزايد بأن النجاح لا يتحقق إلا خارج الوطن، إنها لحظة تنتصر فيها قوة المخيال الجماعي على معطيات الواقع، وتصبح فيها الصورة أقوى من الحقيقة، والسردية أكثر تأثيرا من التجربة الفعلية.

ولكن لا يعني هذا الطرح أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية لم تعد ذات أهمية، أو أن الفقر والبطالة والعرض الصحي والتعليمي لم يعودوا من الأسباب الرئيسية للهجرة، بل على العكس، فهذه الأسباب لا تزال قائمة وتشكل الأرضية التي تنمو فوقها الظاهرة، لكنها تتفاعل اليوم مع عوامل ثقافية ورقمية ورمزية تجعل تأثيرها أكثر تعقيدا. لذلك فإن الاكتفاء بتفسير الهجرة بمنطق "عوامل الدفع والجذب" وحده يجعلنا عاجزين عن تفسير لماذا يغامر أحيانا شباب يدرسون أو يعملون، ولماذا تتحول الإشاعة الواحدة والتعبئة لها في مواقع التواصل الاجتماعي إلى موجة هجرة جماعية، ولماذا يندفع آلاف الأشخاص في الوقت نفسه نحو المصير ذاته.

لذلك أعتقد أننا في حاجة إلى توسيع زاوية النظر، فكما نحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تخلق فرصا حقيقية، نحتاج أيضا إلى سياسات ثقافية وتربوية وإعلامية تواجه "ثقافة الهجرة" نفسها، وتحصن الشباب من التضليل، وتستثمر أكثر في التربية على الإعلام والمعلومة، ولما لا تدمجها ضمن المناهج والمقررات التعليمية، وفي ترسيخ مهارات التفكير النقدي، حتى يصبح الشباب قادرين على التمييز بين الواقع والصورة، وبين المعلومة والإشاعة، وبين التجربة الفردية والحقيقة العامة، كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة النجاح داخل الوطن، وتقديم نماذج واقعية ومتوازنة عن الهجرة، بعيدا عن التهويل كما بعيدا عن التجميل !

فالهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل أصبحت، لدى جزء من شبابنا، تصورا كاملا للحياة، وإذا أردنا فهم موجات الهجرة الجماعية التي نشهدها اليوم، فعلينا أن نفهم أيضا كيف أصبحت الهجرة "ثقافة"، وكيف صرنا، دون أن نشعر، نُنشئ أجيالا ترى في الرحيل مشروعا للحياة أكثر مما ترى في البقاء مشروعا لإحداث التغيير الإيجابي المنشود.
مشاركة المادة: