02 October 2026
الحومة تيفي
الرئيسية من نحن تغطيات خاصة ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ الشأن العام مجتمع اقتصاد مقالات الرأي ويب تيفي
مقال صحفي 18 August 2026

جيل زد Gen Z والانتخابات التشريعية: من المواجهة إلى المشاركة

الحومة TV

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في المغرب يوم 23 شتنبر 2026، يجد جيل جديد من المغاربة نفسه أمام لحظة سياسية تستحق أكثر من مجرد المتابعة من بعيد، إنها فرصة لجيل زد Gen Z كي ينتقل من موقع المتفرج والمنتقد إلى موقع الفاعل والمشارك وصانع القرار.

هذا الجيل الذي نشأ في عالم رقمي سريع التحول، والذي اعتاد التعبير عن مواقفه عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومناقشة قضايا التعليم والشغل والمناخ والعدالة الاجتماعية والحريات والرقمنة، يواجه اليوم سؤالا أساسيا: هل سنكتفي بالتعبير عن آرائنا على الإنترنت، أم سنحاول أيضاً التأثير في المؤسسات التي تصنع القوانين والسياسات التي تحدد جزءا كبيرا من حياتنا اليومية؟

فالبرلمان ليس مؤسسة بعيدة عن حياة الشباب، القوانين التي يناقشها ويصادق عليها النواب ترتبط بالتعليم والتشغيل والصحة والسكن والنقل والاقتصاد والرقمنة والحريات والعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا التي تشكل مستقبل الأجيال الجديدة.

- من "لا شيء يتغير" إلى "ماذا يمكن أن نغير؟"

من أكثر الأفكار التي يمكن أن تدفع الشباب إلى العزوف السياسي الاعتقاد بأن الانتخابات لا تغير شيئا، وأن الأحزاب والسياسيين متشابهون، وأن صوت الفرد لا قيمة له، لكن الديمقراطية لا تقوم على انتظار المرشح المثالي، ولا على الاعتقاد بأن المؤسسات ستتغير من تلقاء نفسها، بل إنها تقوم على المشاركة والمساءلة والاختيار والمبادرة.

فإذا كان الشباب غير راض عن مستوى تمثيله داخل المؤسسات، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا لا يمثلنا أحد؟ بل أيضا: أين نحن؟ ولماذا لا نترشح؟ ولماذا لا ننخرط في النقاش العمومي؟ ولماذا لا نشارك في اختيار من يمثلنا؟
فالمشاركة السياسية لا تعني بالضرورة الانتماء إلى حزب سياسي. يمكن للشاب أن يشارك بالتصويت، وأن يناقش البرامج الانتخابية، وأن يسائل المرشحين، وأن يساهم في الحملات، وأن يراقب الخطاب السياسي، وأن يدافع عن قضايا مجتمعه، بل ويمكنه أيضاً أن يقرر خوض الانتخابات بنفسه إذا توفرت فيه الشروط القانونية.

- الترشح كخيار للشباب

الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى شباب Gen Z هي أن الترشح ليس امتيازا أو حقا محصورا للساسة التقليديين، فالقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب يجعل الأصل في الترشح أن يكون الشخص ناخبا ومتمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، مع وجود شروط وموانع قانونية محددة، والأهم أن الإطار الانتخابي لسنة 2026 يتضمن تدابير لتشجيع مشاركة الشباب، فقد تم إقرار دعم مالي عمومي لفائدة لوائح الترشيح التي تضم مترشحات ومترشحين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، بما يعكس توجها نحو توسيع حضور الشباب في الحياة السياسية والانتخابية، وهذا يعني أن الشاب الذي يرى نفسه قادرا على تقديم مشروع سياسي حقيقي لمجتمعه لا ينبغي أن يعتبر الترشح فكرة بعيدة أو مستحيلة، فقد يكون الطريق صعبا، وقد تكون المنافسة قوية، وقد توجد تحديات مرتبطة بالموارد والخبرة والتنظيم، لكن الديمقراطية تحتاج أيضا إلى جيل جديد يدخل المؤسسات بأفكار جديدة ولغة جديدة وأولويات جديدة.

- جيل رقمي داخل مؤسسات تقليدية

يمتلك Gen Z نقطة قوة مهمة، إذ يعد الجيل الأكثر قدرة على استخدام الأدوات الرقمية في التواصل والتعبئة والوصول إلى المواطنين، لكن المشكلة أن امتلاك آلاف المتابعين لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي، كما أن الشعبية الرقمية ليست بديلا عن البرامج الانتخابية، وعدد المشاهدات ليس بديلا عن القدرة على التشريع، والمنشور الذي يحصد آلاف وملايين المشاهدات (viral post) لا يعوض المعرفة بالقانون والمؤسسات والميزانية والسياسات العمومية، لذلك إذا أراد الشباب أن يدخلوا المجال السياسي، فعليهم الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة البدائل.

فبدلا من أن نقول فقط "ماكينش فرص الشغل"، علينا أن نسأل: ما السياسات التي يمكن أن تخلق فرص الشغل؟ ومن أين سيمول تنفيذها؟ وما دور الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص؟
وبدلا من القول "التعليم فاشل"، ينبغي أن نسأل: ما الإصلاحات التي نحتاجها؟ وما الموارد المطلوبة؟ وكيف يمكن قياس نتائجها؟ وبدلا من الاكتفاء بانتقاد ارتفاع الأسعار، ينبغي أن نفهم السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في القدرة الشرائية والدخل والحماية الاجتماعية، ومن هنا تبدأ السياسة الحقيقية.

- صوت الشباب لا ينبغي أن يبقى خارج البرلمان

إن دخول الشباب إلى قبة البرلمان لا يعني فقط زيادة عدد النواب الشباب، وإنما يمكن أن يعني تغيير طبيعة النقاش السياسي نفسه، فالشباب قادرون على حمل قضايا قد لا تحظى دائما بالاهتمام الكافي، كالاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الوظائف المستقبلية، ريادة الأعمال، الصحة النفسية، البيئة والمناخ، النقل الحضري، السكن، الثقافة، الرياضة، التعليم العصري، الأمن الرقمي، محاربة التضليل الإعلامي، ومشاكل الشباب في الأحياء والهامش والمناطق القروية.
لكن حتى تصبح هذه القضايا جزءا من السياسات العمومية، يجب أن تنتقل من منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقترحات وبرامج وقوانين وميزانيات ومساءلة داخل المؤسسات، وهذه إحدى أهم قيم المشاركة الانتخابية، حيث يتحول صوت المواطن من مجرد رأي إلى تمثيلية سياسية قادرة على التأثير في القرار.

- لا تصوتوا فقط للأشخاص... بل اختاروا المشاريع

أمام الشباب مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن الترشح، والمتمثلة في اختيار من يمثلهم، فالانتخابات ليست مسابقة في الشعبية، ولا مناسبة لاختيار الأكثر حضورا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا اختبارا للقدرة على إطلاق الشعارات الرنانة، فقبل التصويت، ينبغي للشاب أن يسأل:

بهذه الطريقة يصبح التصويت قرارا واعيا وليس مجرد اختيار عاطفي أو انتخاباً مبنياً على القرابة أو الانتماء أو الولاء.

- السياسة ليست "حكرا على الآخرين"

ربما آن الأوان لكي يتوقف جزء من الشباب عن النظر إلى السياسة باعتبارها مجالا خاصا ومحصورا على فئة محددة من الأشخاص، فالسياسة موجودة في حياتنا اليومية، فعندما يبحث الشاب عن عمل، فهناك سياسة اقتصادية، وعندما يذهب إلى المستشفى، فهناك سياسة صحية، وعندما ينتظر حافلة، فهناك سياسة للنقل، أما عندما يبحث عن جامعة أو تكوين جيد، فهناك سياسة تعليمية، وعندما يسكن في حي يفتقر إلى التجهيزات والمساحات الخضراء والمرافق الرياضية، فهناك سياسات عمومية وترابية تؤثر في جودة حياته.
لذلك، الابتعاد عن السياسة لا يعني الابتعاد عن نتائجها، بل إن غياب الشباب عن المؤسسات قد يترك المجال لآخرين لاتخاذ قرارات ستؤثر في مستقبلهم.

- من "جيل غاضب" إلى "جيل مؤثر"

لا يحتاج المغرب إلى شباب يصفقون للسياسة، كما لا يحتاج إلى شباب يرفضونها بالكامل، إنه يحتاج إلى شباب يسألون، يناقشون، ينتقدون، يقترحون، يترشحون، يصوتون ويحسنون اختيار ممثليهم، فجيل زد Gen Z يستطيع أن يكون أكثر من جيل يحتج على مواقع التواصل الاجتماعي، و يمكنه أن يصبح جيلا يشارك في صياغة الحلول، ويضغط من أجل الإصلاح، ويدخل المؤسسات، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسياسي، والانتخابات التشريعية المقبلة يمكن أن تكون إحدى هذه اللحظات.
ليست المسألة أن يترشح كل شاب، ولا أن يصوت الجميع بالطريقة نفسها، المسألة هي أن لا يترك الشباب الآخرين يقررون مستقبلهم نيابة عنهم، فإذا كانت هناك أشياء كثيرة لا تعجبنا في واقعنا، فإن تغييرها لا يبدأ دائما من الخارج، أحيانا يبدأ التغيير من ورقة التصويت، وأحيانا يبدأ من قرار شاب بأن يترشح، وأحيانا أخرى يبدأ من سؤال بسيط يطرحه مواطن على مرشح "ماذا ستفعل من أجلنا إذا منحناك ثقتنا؟"

في 23 شتنبر 2026، لن يكون السؤال فقط: من سيدخل إلى قبة البرلمان؟ بل ينبغي أن يكون السؤال الأهم كم شابا وشابة قرروا أن يشاركو؟ وكم شابا وشابة قرروا أن يترشحو؟ وكم حزبا أعطى فرصة للشباب والشابات ومنحهم ثقته لقيادة لوائحة الانتخابية؟ وكم من شاب وشابة اختاروا ممثليهم بوعي؟
لأن مستقبل الشباب لا ينبغي أن يُكتب عنهم فقط...، بل يجب أن يشاركوا في كتابته.

مشاركة المادة: