طلاق بائن مع الصناديق: لماذا لا يرى «الجيل Z» في المغرب نفسه في المرآة السياسية؟
معاذ العبدلاوي
فاعل مدني
مع كل استحقاق انتخابي أو نقاش عمومي في المغرب، يطفو على السطح الخطاب الكلاسيكي ذاته: دعوات حزبية لـ «إدماج الشباب في الحياة السياسية»، وتحذيرات رسمية من تفاقم ظاهرة «العزوف الانتخابي». غير أنني، وبحكم انتمائي إلى «الجيل Z» (مواليد أواخر التسعينيات حتى مطلع العقد الثاني من الألفية)، أرى أن واقعنا يبرهن بوضوح أننا أمام حالة مغايرة تماماً لما تروّجه النخب التقليدية؛ فالأمر لا يتعلق بلامبالاة جيل سطحي، بل بـ «قطيعة واعية» بين جيل وُلد في الفضاء الرقمي ومنظومة سياسية لا تزال تدير شؤونها بأدوات الماضي.
1. أزمة «الجدوى».. سؤال النتيجة قبل المشاركة
ننظر اليوم إلى العملية الانتخابية بعين براغماتية بحتة؛ فالمعضلة بالنسبة لنا ليست في الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل في «ما بعد الصندوق».
نتساءل كشباب: ماذا تغيّر في جودة التعليم العمومي، أو واقع المستشفيات، أو آفاق التشغيل وسوق العمل بعد توالي الحكومات والتحالفات؟ عندما نرى البرامج الحزبية تتشابه، والوعود الانتخابية تتبخر فور إعلان النتائج، يصبح امتناعنا عن التصويت خياراً عقلانياً لتفادي منح شرعية مجانية لمنظومة تعيد إنتاج الأزمات نفسها بوجوه مختلفة.
2. شيخوخة النخب ولغة «الخشب»
نعيش كجيل في بيئة تتسم بالسرعة، الشفافية، والتفاعل الفوري، بينما لا تزال الأحزاب السياسية تخاطبنا بلغة خشبية استعلائية تعود لعقود مضت.
إن أكبر ما يُنفّرنا هو «تسليعنا كديكور انتخابي»؛ حيث تُفتح مقرات الأحزاب أمامنا فقط لتأثيث المشهد وتوزيع المنشورات أو حشد القاعات، في حين تظل مراكز القرار واللوائح الانتخابية محتكرة من قِبل نخب قديمة تعتمد على شبكات المحسوبية والزبونية بدلاً من الكفاءة والمشروعية المجتمعية.
3. الأحزاب كـ «دكاكين موسمية»
غاب عن العمل الحزبي دوره التاريخي في التأطير والتكوين اليومي، وتحولت الأغلبية الساحقة من الهيئات السياسية في نظرنا إلى ما يشبه «دكاكين موسمية»؛ تفتح أبوابها قبل الانتخابات بأشهر وتغلقها مباشرة بعد اقتسام المقاعد والمناصب. هذا الغياب المستمر عن نبض الشارع وهمومنا اليومية يجعل أي حديث عن "استعادة الثقة" مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
4. هل ماتت السياسة؟ بل تغيّر عنوانها!
الخطأ الأكبر الذي تقع فيه النخب هو الاعتقاد بأننا غير مسيّسين. الحقيقة أننا نمارس السياسة يومياً، لكن خارج الأطر والمقرات الحزبية الضيقة:
-
الفعل الرقمي: قيادة حملات المقاطعة الواعية والضغط المجتمعي على المنصات الرقمية (X، TikTok، Discord).
-
المبادرات الميدانية: الانخراط الفاعل في العمل المدني والبيئي والتطوعي العفوي، حيث نشعر بأن لجهدنا أثراً فورياً وملموساً على مجتمعنا.
-
الاحتجاج بالرحيل: تحول هاجس الهجرة والبحث عن آفاق خارجية إلى شكل صريح من أشكال التعبير عن رفض الواقع وانسداد الأفق المحلي.
قواعد اللعبة تحتاج إلى إعادة ضبط
إن ردم هذه الهوة السحيقة بيننا كشباب وبين الشأن العام لا يمكن أن يتحقق بالنداءات العاطفية أو المهرجانات الخطابية المستهلكة. الحل يبدأ من اعتراف المنظومة الحزبية بعجزها عن مواكبة التحولات الجيلية، والانتقال الفعلي من منطق «الوصاية» إلى منطق «الشراكة»، وفتح المجال لتجديد حقيقي للنخب يرتكز على الشفافية والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ما لم يحدث هذا التحول البنيوي، سنبقى ندير ظهورنا لصناديق الاقتراع، وسيظل الفضاء الرقمي والشارع هما برلماننا الحقيقي الذي يعبّر عن صوتنا وطموحاتنا.